دراسات روايات

قصص

شعر صاحبة الموقع

خاص 

فرنسية فن تشكيلي قصص شعر

مختارات 

Bookmark and Share
       

رواية لم تكن صحراء لحليمة زين العابدين

قراءة  

الأستاذ: عياد أبلال

لم تكن صحراء

خطاب الجنون في رواية لم تكن صحراء

نتيجة فهم إيديولوجي للدين، أصبح الجسد برغباته وشهواته ومكبوتاته ونزواته عنوان الخطيئة والكبائر والذنوب، واختزلت المرأة في جسد موسوم بالشبق والإغراء والطرد الإلهي من ملكوته، فكان انتصار ثقافة الموت على ثقافة الحياة، إنه الموضوع الذي تعالجه بشكل فني وجمالي الروائية المغربية حليمة زين العابدين في روايتها لم تكن صحراء.
يشكل خطاب الجنون والحب في رواية لم تكن صحراء، مدخلا أدبيا رفيعا لتسييج مساحة التجلي والخفاء في تعارض الحياة والموت، العقل والجنون، الحلم واليقظة، الأسود والأبيض، الرجل والمرأة، السعادة والألم، ثنائيات تشكل في الحقيقة أوليات سجن الجسد في مساحة ضيقة، لا ينتعش إلا في فضاء البين –بين، ولا يعبر عن نفسه بحرية مقيدة إلا عبر اللاوعي، من خلال الهلوسات والهيستريا، والكوابيس والأحلام، وفلتات اللسان والنكات...الخ، وهي من الأوليات الفرويدية المعروفة، التي أبدع بحق دوستيوفسكي في التعبير عنها من خلال "الإخوان كارمازوف"و " الجريمة والعقاب". وهو أيضا ما نجده صداه فيما تعبر عنه حليمة زين العابدين على لسان شخصياتها المتخيلة، والتي لا تنفصل عن الواقع الكائن، إلا لكي تنتصر لواقع ممكن مفتوح على اليوتوبيا والحلم والحب. من هنا يصبح الأدب أحد الحدائق الخلفية لعلم النفس.
تدور أحداث الرواية مكانيا بين المغرب وفرنسا، وتحكي تجربة حب عظيمة بين الساردة، وهي آنيا، كاتبة وروائية وأستاذة جامعية وآنير خبير في التواصل ، فبعد إنهاء عقدتها وعودتها من فرنسا، تقاعدت عن العمل لتتفرغ للكتابة، ولأسباب كثيرة، انتقلت للسكن بالمنزل الذي كان لها وأنير... "وجدت البيت يعج بذكرياته، وصارت تعيش آلام فقده الأبدي، بشكل ترددي شديد الحزن، أدخلها في اكتئاب حاد، مصحوب بالكوابيس الليلية، تطور عندها إلى مرض الهستيريا الانشقاقية، أي فقدان الذاكرة غير الكلي، فتعطلت بصورةٍ لا شعورية أجزاء من حافظتها الذهنية، تلك المتعلقة بموت أنير، واختفى منها حدث تواجد أنير بمركز التجارة العالمي بنيويورك، في اليوم الذي وقعت فيه انفجارات الحادي عشر من سبتمبر. نسيت أنه مات هناك، وهو يؤطر ورشة تدريبية. ولم تنس أنه كان قادما إليها من أمريكا في ذاك اليوم بالذات، ولم يصل، لا لأنه مات، ولكن، لأنه اختار أن يتركها من غير أن تعرف السبب... تعويض لا شعوري لألم رحيل الموت الأبدي بألم الرحيل الإرادي المحتمل الرجوع. هنا توقف عقلها الواعي يدور محوره في بؤرة زمن انتظارها وصول أنير من أمريكا، ولم تعد تتوقف عن قول وتكرار "أنير قال أنا آتٍ ولم يأت".
كان لتجربة الجنون التي تعيشها الساردة أسباب كثيرة، لكنها في سياق التعويض والتكثيف، جعلت من الحب سببها الأول والأخير الذي لا ينفصل عن الفقد الحامل للعديد من الدلالات المرتبطة في العمق بمفهوم الروائية للجسد، جسد النص، جسد الرواية، جسد الآلهة، جسد السياسة، جسد الدين...الخ. إلا أن الروائية وانتصارا منها للعلم والطب النفسي تحديدا، سوف تتفادى كثيرا توظيف ملفوظ الجنون، من خلل تعويضه بتوصيف دقيق لحالة الساردة النفسية، عبر تشريح إكلينيكي-سريري لما تعانيه، محددة وفق قاموس علم النفس حالتها المتمثلة في مرض الوسواس القهري، والاكتئاب وفقدان الذاكرة الجزئي...
تحاكي الروائية حليمة زين العابدين في سردها للأحداث المتعلقة بالماضي البعيد منه والمتوسط تقنيات التداعي الحر بين المحلل النفسي والمريض، كما لو أنها تقوم بإعادة إحياء تجربة فرويد في التحليل النفسي من خلال اشتغاله بداية على ذاته ونفسه، على أحلامه وكوابيسه. موجهة نقدا لاذعا لرجال الدين الذين اغتالوا الحياة باسم الموت، وانتصروا للموت باسم جنة متخيلة، مفككة خطاب الإرهاب، كما تمثلت تجلياته في حادث 11 من شتنبر 2001، الدموي، تقول الساردة/ آنيا: "حين تركتكم، وذهبت أتجول وحدي، أعدت بذهني ما حكت فريدة، وحكى عادل قبلها، أحسست بي خفيفة، لم أشعر بذاك الضغط المزمن على صدري، والرؤوس التي كانت تملأ جمجمتي لم يبق منها غير الظلال، وحين اقتربت منكم وسمعتها تقول إنها رأت اسم أنير ضمن أسماء ضحايا تفجيرات البرجين اختفت ظلال الرؤوس من جمجمتي... أدركت أن أنير اغتاله حماة آلهة الدمار... يفصلون أجساد الإنسان عن رؤوسها، يركبونها عساها توصلهم إلى حدائق النساء المرمريات، يُنْكَحن لا يحضن ولا يبضن. تجري بين أفخاذهن أنهار الخمور والعسل، ويلدن لهم الغلمان... هم من فصلوا أنير عني... هم من رأيت في حلمي في لبوس الآلهة...وأنا، يا فريدة، مصابة باكتئاب حاد أدى بي إلى فقدان الذاكرة الجزئي... ذاك المتعلق بوفاة أنير... أعتقد أني استرجعته... أنير مات.


النص مقطع من فصل عن خطاب الجنون في رواية لم تكن صحراء، ضمن كتاب الجسد في المجتمعات العربية بين الواقع والنص (مقاربة انتربولوجية) للدكتور عياد أبلال، منشورات روافد للنشر والتوزيع.
 

 

الدكتور عياد أبلال   / المغرب

محور جميع الروايات

 5. لم تكن صحراء/ قراءات

عبد العاطي جميل
الكتابة حرية
 
عامر مخلوف
الكتابة للمقاومة
 
رشيدة الرقي
السفر والكتب 
عبد الله مهتدي
شعرية الحب
عياد أبلال
خطاب الجنون
 
الاتصال

 

Conception _ Création _ Desisgn: Halima Zine El Abidine