دراسات روايات

قصص

شعر صاحبة الموقع

خاص 

فرنسية فن تشكيلي قصص شعر

مختارات 

Bookmark and Share
       

رواية لم تكن صحراء لحليمة زين العابدين

قراءة  

الأستاذ: عامر مخلوف الجزائر

لم تكن صحراء

الكتابة للمقاومة وتحرير الذات
 

 سبق لهذه الكاتبة أنْ أصدرت مجموعة من الروايات والمسرحيات. ولكن لمَّا قضيت أياماً معدودة في الدار البيضاء بالمغرب، لم أعرف من أعمالها إلا هذه الرواية. ولم أكن في ذلكم المساء عازماً على القراءة إذ كنت مرهقاً لا أفكِّر إلا في الاسترخاء والنوم. ولمَّا قادني الفضول في لحظة ما إلى أن أقلِّب الصفحات الأولى منها وجدتني أسترسل في القراءة إلى أنهيتُ القسم الأكبر منها.
يمكنني أنْ أستدلَّ من خلال تصرُّف عادي كهذا، على أمر بالغ الأهمية فيما يتعلق بالكتاب، وقد تراجع الإقبال عليه إلى حد مخيف سواء بفعل ما يعانيه المواطن من هموم، أو بسبب تزايد وسائل التواصل والترفيه التي تطوَّرت في وقتنا على نحو متسارع . إذ يبدو لي أنَّ الكاتب-اليوم- ملزم بأن يوفِّر لعمله عنصر التشويق منذ الصفحات الأولى، وإلا فإنَّ القارئ سيتركه لينصرف إلى وجهة أخرى، وأنْ يمتلك قدرة على التصوير بلغة سهلة ميْسورة تنطوي على أفكار عميقة، تمتح من الواقع وتعلو عليه. وفي تقديري أنَّ هذه الرواية قد توفَّر فيها ما يحمل على قراءتها بمتعة مُميَّزة.
الكلمة اللافتة في العنوان هي"الصحراء" وقد جرت العادة أن تُستعمل للدلالة على القحط والجفاف وكل ما من شأنه أنْ يحيل على الخلو والفراغ. لكنَّ الكاتبة تنفي كل هذا الذي يُحتمل أنْ يتبادر إلى ذهن القارئ وكأنَّها تثير فضوله وتدعوه منذ البدء إلى مرافقتها لاكتشاف وضْع آخر مختلف، بحيث يصبح هذا الغائب أشبه بسرّ مكنون يترقَّبه ويضاعف درجة فضوله.
وقد اهتدت إلى حيلة أدبية، تزرع الحيرة حين جعلت شخصية"أنيا" تتحرَّك برأسيْن، ثم تنشطر إلى رؤوس متعدِّدة. ما خلق حالة من التوتُّر النفسي، يجعلها عرضة لحالات من الإغماء المتكرِّر، والتنقل بيْن المستشفى والبيت، مع ما يصحب ذلك من هذيان، يتحوَّل إلى مصدر أساس في كتابة النص. فقد ((عقدت الآلهة اجتماعا للتفكير في كيفية الخروج بالكون من حالة الصمت ومن فراغها الأزلي الممل، المسئم... بعد تدبر وتأمل طويلين. تخلق كائنا يشبهني، لكنه ملتصق بآخر من الظهر، له رأسان وأربعة أياد وأربعة أقدام، في حالة اقتتال دائم، شد وجذب على الدوام.)) ص: 32
هذا الشد والجذب يُمارس على القارئ أيْضاً، وهو يتابع اختيارَها "أنيا" اسماً لهذه الشخصية الرئيسة وقد نُحت من "أنا" و"أناي"، وتُستعمل في العامية "أنَيا"، والذي يبرِّر بشكل مباشر اتّكاء عملية السرد على ضمير المتكلّم ويحمل القارئ على الاندماج في المقروء حيث تتساوى الكاتبة والراوية، وتضيق المسافة بينها وبيْن المروي له الذي لا يكون في هذه الحالة إلا المتلقي وقد انقاد إلى أنْ يستمع ويشاهد.
وفضلاً عمَّا يُحقِّقه الأنا من تنسيق بيْن المقطوعات القصصية، التي يتشكَّل منها المتْن، فإنَّه صار متَّكأً لاستدعاء شذرات من حياة الذات الكاتبة. وإنْ بقي ذلك في حدود الافتراض، الذي لا يمكن القطع فيه، إذ المبدع لحظة الكتابة لا يستطيع أنْ يتوقَّع ردود فعل القارئ كما أن القارئ-بدوْره-لا يمكنه أنْ يحدِّد نوايا المبدع بدقَّة متناهية.
وتنتقل الكاتبة من حين لآخر إلى استعمال ضمير الغائب، فتحكي عن شخصيات أخرى تدور في محيطها من أبرزها "أنير" هذه الكلمة الأمازيغية التي تعني القمر. وهو شاب ظريف التقت به في باريس وتحابَّا إلى درجة الذوبان، لذلك يبقى حاضراً يمثل الرأس الثانية.
سافر مرة في مهمَّة إلى نيويورك وهي بالمغرب تنتظره بشوق وحرقة، تهيِّئ كل ما يلزم لاستقباله. غير أنَّه لم يحضر ولا نعرف إلا لاحقاً، بأنَّه قد قضى في تفجير البُرجيْن بأمريكا. وهو موقف يدين بقسوة أدبية أنصار الكراهية والحرب، أعداء الحرية والحب.
ثم إن الانشطار(1) إلى رؤوس تجعل منه فرصة لتفريغ ما تختزنه من ذكريات مشحونة بالمرارة، تتصل بالموْروث التقليدي البائس وبالشأن السياسي، وخاصة بأولئك الذين عاشَرتْهم فتقول: ((نخبة عاصمتنا، تلك التي، في حالة غرورها وجبروتها، تريد من الآخر أن يكون بوقا لصدى نرجسيتها، وفي حالة انهزاميتها، تلجأ للخنوع واليأس، وتلقيح الشيوعية بالدين، والعكس صحيح)
إنها عندما تحيل على مقولة فكرية أو أدبية، فإنَّ الاستشهاد لا يَرِد مُقحماً، ولا يأتي إشارة عابرة بقدر ما يستدعيه السياق ليكون مَعْبراً لتمرير تعليق أو رسم صورة للشرح أو المقارنة. من ذلك أنَّها لا تترك رأي المحلل النفساني "يونغ" مجرَّد إشارة عابرة أو معلَّقة، حين يذهب إلى أنْ ليس هناك مَنْ هو ذكر مائة بالمائة أو أنثى مائة بالمائة، ((تلك الفروقات التي تتركَّز في الذهن الواعي للفرد، ويبقى عقله الباطن، يحتفظ بصفقات الإنسان الأصلية المزدوجة التي تجمع بين الذكر والأنثى معاً...)) ص 113
فهي حين تشير إلى هذا الرأي لا تقف عند حدوده، بل تستطرد لتجعل لهذه المقولة امتداداً لعلَّه يتَّصل في جانب منه بنظرية الأدب، ولعلَّه يفنِّد ما يذهب إليه بعض الدارسين الذين يحرصون على التمييز بيْن أدب المرأة وأدب الرجل أو أنَّ أحدهما-والمرأة بالذات-غير قادرة على أنْ تتحسَّس مشاعر الرجل. لأنَّه، إذا سلَّمنا بهذه التفرقة، فإنَّ طبيعة النصوص تكذِّبنا وقد نتمادى في التمييز الخاطئ وربما ننتهي إلى القول بأدب خنثوي أيْضاً. لذلك يصح ما تخلص إليه من أنَّ: ((المبدع لحظة الإبداع لا جنس له)). ص146
كما لا مسافة لديْها بيْن ما يمكن أنْ يندرج ضمن النقد السياسي وبيْن نقدها الممارسة الجنسية، فلا تكتفي بما جاء على لسان بطلة "باولو كويلو": ((اللذة الكبرى ليست في الجنس، إنما في الشغف الذي تمارس به الجنس)). ص138
وإنَّما تتفرَّع هذه الملاحظة القصيرة إلى صُوَر متنوِّعة ومتضادَّة. فهذا زوجٌ ينزل على زوجته في الزريبة كالثور حتى يُغمى عليها، وآخر يفاجئها فيُنْزِلها على قضيبه بعنف قاتل، وثالث يُفرغ شحنته على عجل ليغرق في نوم عميق. فلا تملك المرأة المسكينة إلا أنْ تنصرف إلى الحمام وهناك يفلت منها خرطوم الرشَّاش فيُداعبها وتجد في الألومنيوم لذَّة لم تجدها مع زوج لم يُراعِ أدنى حد من آداب الممارسة الجنسية وراح يغطُّ في شخيره.
فأمَّا الشاعر "ابن نوفل" الذي لطالما أبهر "أنيا" وغيرها من المناضلين بشعره الثوري الحماسي فلا يلبث أن يتحوَّل إلى وحش مفترس إذا هو انفرد بامرأة، فأنْ تسمع بالمعيدي خيرٌ من أنْ تراه أو هو من مجموعة سياسية تتَّسع الهوة لديْها بين النظرية والممارسة وتجعلها منشطرة تهذي بجنون:
((حكيت لها عن رأسي الثقيلة بموْروث قبيلتي التي تفسِّر كل شيْء بمتن الفتاوى الدينية، وما تسطر من حرام وحلال، وعقاب وثواب، وعن رأسي الثقيلة بموْروث مجموعتي السياسية، قبعتُها غفارية والرأس رأس أبي هريرة)). ص82
فالواقع أن الشيوعيين واليساريين أنفسهم قد اجتهدوا مدة من الزمن في التوفيق بيْن الاشتراكية والإسلام من غير أن يقدِّروا عواقب اجتهادهم في مجتمعات متديِّنة.حيث كانوا يُغذُّون الإسلام السياسي حين راحوا يبعثون "الثوار" و"الثورات" من أبي ذر الغفاري إلى القرامطة إلى الزنج إلى البابكيين وغيرهم، بينما كان الردُّ جاهزاً لدى خصومهم عندما يقولون: "مادام أنه لا تناقض بين الإسلام والاشتراكية، فما الذي يحملكم على ترْك الشريعة الإلهية والترويج لأفكار وضعية فضلاً عن أنَّ منشأها يهودي".
وبالمقابل وعلى النقيض من هذه الصُّوَر التي لا ترقى إلى أدنى درجة من الحيوانية، نشاهد صُوَراً من التماهي بيْن "أنيا" و"أنير" وفريدة وإبراهيم وعادل ورجاء حيث الحب الخالص أساس البُعْد الإنساني والعلاقة الصافية، وحينئذ تأتي الشهوة الجنسية مُكمِّلا يُعمِّق إنسانية الإنسان ذكراً كان أو أنثى.
ذاكرة من الجنون ومحاولة الانتحار والإغماءات المتتالية والهذيان، لكنْ بهذا الجنون تَنْكتب الرواية وتصبح الكتابة ملاذاً للمقاومة وتحرير الذات. وحين نشارف على النهاية تبدأ حالة التوتر في الخفوت وتهدأ النَّبْرة. وكأنها كانت -لحظة الكتابة-في متاهة مظلمة تتنازعها وساوس متعدِّدة وهموم، ثم ها هي تخرج إلى جو من الصَّحْو تزول فيه الانشطارات وتواجه الموقف برأس واحدة، بنظرة ترى أنَّ الحياة-بالرغم ممَّا يعترضنا فيها من عثرات-إلا أنها جديرة بأنْ نحياها.
كأنَّ الرواية موزَّعة بيْن زمنيْن، ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتفجير البُرجيْن، وهو زمن الحب والمتعة، ثمِّ ما بعدها وهو زمن الخيْبة واليأس. ولكن مادامت الحياة وما يلاقيه المرء فيها من متاعب ليست صحراء، فما هي إلا غمرة ثمَّ تنجلي.من هنا تنفتح الرواية على الآتي من الزمن بما يستبطنه الاستشراف من دعوة إلى المقاومة وتخليص الذات من موْروث يُكبِّلها.سواء أكان هذا الموْروث المتخلِّف اجتماعياً أم دينياً أم سياسياً أم جنْسياً.
هكذا تقدِّم لنا (حليمة زين العابدين)، نصّاً بلغة سهلة ميسورة، وترسم صُوَراً غاية في المتعة.وإذا هي استشهدت بفكرة أو مقولة، فلأنَّها من صلب السياق، وتعالج ما تعرضه بعيْن ناقدة تدلُّ على وعْي حاد بالتاريخ وبالتحوُّلات الجارية، وتطرح قضاياها بجرأة نادرة.
إنَّها –باختصار- ممَّن تنطبق عليهم مقولة الناقد الفرنسي" جون كوكتو" في تعريفه الأسلوب إذْ يقول: ((ما هوالأسلوب ؟ إنه لكثير من الناس طريقة معقّدة جدا لقول أشياء بسيطة جدا، أما لنا نحن، فإنه طريقة بسيطة جدا لقول أشياء معقّدة جدا)).


1) فكرة الانشطار استعملها الكاتب الجزائري الطاهر وطار في روايته ((العشق والموت في الزمن الحراشي)) بطريقة مختلفة حيث يحضر المؤلف في صورة "براهما «الذي شطر جسمه فجعل شطراً في صورة رجل وشطراً في صورة امر

 

الدكتور عامر مخلوف   / الجزائر

محور جميع الروايات

 5. لم تكن صحراء/ قراءات

عبد العاطي جميل
الكتابة حرية
 
عامر مخلوف
الكتابة للمقاومة
 
رشيدة الرقي
السفر والكتب  
عبد الله مهتدي
شعرية الحب
عياد أبلال
خطاب الجنون
 
الاتصال

 

Conception _ Création _ Desisgn: Halima Zine El Abidine