دراسات روايات

قصص

شعر صاحبة الموقع

خاص 

فرنسية فن تشكيلي قصص شعر

مختارات 

Bookmark and Share
       

رواية قلاع الصمت لحليمة زين العابدين

قراءة  

الأستاذ: نور الدين بوصباع

نور الدين بوصباع
رزاية قلاع الصمت

الزمن والكتابة

 

ما بين زمن الحكاية وزمن الكتابة محطة للاستذكار، مساحة للحفر في خبايا الذاكرة التي ركبها النسيان.. ما بين زمن الحكاية وزمن الكتابة فسحة للتأمل..لحظة لاستكشاف الإنسان فينا.. ما بين الزمنين سفر جميل في ثنايا الذات والناس والأمكنة.. هو الزمن كما ذهب الفيلسوف رونيه ديكارت الشكل الوحيد للتجربة الإنسانية وشرط الظواهر كلها.. وهو جوهر الوعي ورديف لحقيقة الوجود الذاتي لدى الإنسان كما خلص إلى ذلك برغسون.. هو الزمن إذن الإطار المحايث للتجربة الإنسانية والمحرك الأبرز في تشكيل الوعي ونحته .. وفي هذا الصدد أنا جد سعيد بهذا السفر الجميل الذي أخذتنا عبره الروائية المغربية حليمة زين العابدين عبر الزمن المغربي.. سعيد لأني أجد نفسي منغمسا في قلب أحداثه.. معنيا بمجرياته مادام يحكيني.. إذ الإنسان عن طريق الحكي يشكل صورة عن نفسه ومجتمعه وتاريخه وقيمه وموقعه وعن الآخر وكل ما يتصل به.. عمل سردي متفرد أجده يحتويني ويجيب عن الأسئلة العالقة التي طالما بحثت لها عن جواب..إنه عمل يرصد بدقة متناهية مختلف التحولات و الأعطاب والتجاذبات التي عرفها تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال، كما يكشف ويعري بصراحة وجرأة عن مختلف الطابوهات والمحرمات التي كانت ولا زالت إلى حد الآن تسيج الزمن المغربي وتحجر عليه بدعاوي واهية وديماغوجيا تافهة..فمن الناحية الأولى أستطيع القول أن الروائية قد نجحت وبامتياز عبر الزمن السوسيولوجي أن تضعنا من خلال روايتها” قلاع الصمت” في صلب التحولات الجذرية التي عرفها المجتمع المغربي والزلزال المدمر الذي أصاب بنية المجتمع عموما وبنية الأسرة خصوصا حيث كان لوقع الظروف الاقتصادية ما بعد الفترة الكولونيالية وهنا أقصد تغير وسائل الإنتاج ونمط الإنتاج اللذان ترافقا مع موجة التحديث التي فرضها سياق الاستعمار أكبر الأثر في تحجيم وتفكيك دور الأسرة البطركية التي يهيمن ويسيطر فيها العنصر الأبوي والذكوري..وتتحكم في بنيتها تراتبية هرمية مجحفة إلى ترسيخ وتكريس الأسرة النووية حيث حتمت ظروف ومكان العمل إلى حصول ذلك الانفصام والتفكك..هذا من جهة أما من جهة أخرى فالروائية حاولت أن تضعنا في قلب الزمن السياسي المغربي بأعطابه وتجاذباته، زمن وسوم بالعنف والإقصاء والحرب المعلنة ما بين الأقطاب السياسية الفاعلة داخل المجال السياسي آنذاك ، وهنا لابد من الإشارة إلى محطتين بارزتين وهما:
أولا: نكسة معاهدة ايكس ليڤان وما خلفته من استقلال مشوه يكرس التبعية ..استقلال لم يكن في مستوى طموحات الشعب المغربي الذي دفع الثمن غاليا..
ثانيا: لابد من الكشف عن واقع الزمن السياسي الذي أفرزه هذا الاستقلال المشوه من أعطاب خاصة عندما حاول حزب الاستقلال الاستئثار بهذا الاستقلال لصالحه والاستفراد بالحكم، وذلك بإقصاء جميع الأحزاب السياسية المنافحة له وأقصد بالذات حزب الشورى والاستقلال عبر جميع الوسائل الممكنة ولو بالعنف (مذبحة سوق الأربعاء..سيدي يحيى..مراكش ومكناس) خصوصا في عهد ادريس المحمدي..ثم صراعه مع جيش التحرير نظرا للمواقف القوية لهذا الأخير والمتمثلة في:
1- معارضته للاستقلال الشكلي الذي حصل عليه المغرب.
2- ايمانه بضرورة مقاومة كل وكلاء المستعمر داخل البلاد.
وأخيرا صراع حزب الاستقلال مع القصر عندما حاول سيطرته على الشارع السياسي دفعه إلى التفكير في إقصاء القصر من نسقه السياسي ومحاولة الانفراد بالسلطة…
كما لم تغفل الروائية حليمة زين العابدين أن تضعنا في صلب تجربة اليسار الراديكالي والمد الماركسي داخل الزمن السياسي المغربي بفصائله( حركة إلى الأمام..منظمة 23 مارس..لنخدم الشعب) وأطروحاته الاجتماعية المنادية بتحقيق العدالة الاجتماعية، محاربة الإقطاع و الأوليغارشيا و انعتاق الإنسان من سطوة الظلم والاضطهاد وأيضا مجالات وميادين نضاله في ظل عدم الاعتراف به كفاعل يتمتع بالشرعية داخل النسق السياسي المغربي كالنقابات العمالية، القطاع الطلابي متمثلا في اتحاد الوطني لطلبة المغرب ووداديات التلاميذ حيث ناضلت نعيمة وقضت بسبب ذلك مدة شهر بالسجن..تجربة كان من نصيب منا مناضليها المعتقلات ، السجون، المنافي وحتى التصفيات الجسدية..
و أما أخر الأزمنة التي تعرضت لها الروائية هو الزمن السوسيو معرفي ، وأقصد بذلك التحولات العميقة التي لحقت طرائق ومناهج تحصيل المعرفة داخل المجتمع المغربي الموسوم بالبطركية والأبوية حيث حاولت الروائية أيضا أن تضعنا في قلب الجو والطقس المشبع بالمحافظة والتقليدانية وذلك من زاويتين:
1- مدى تغلغل الثقافة والمعرفة وشيوعها داخل المجتمع المغربي، وكذا نظرة المجتمع لمسألة التربية والتعليم وخصوصا مسألة تعليم المرأة في ظل مجتمع محافظ حتى النخاع، حيث أشارت الروائية إلى أن أمر المعرفة والتعليم كان شأنا ذكوريا بامتياز، وأما المرأة فلا مكان يصلح لها غير جغرافية البيت، ولا دور لها غير تفريخ الأطفال وبالتالي من يحق له أن يعرف ويتلقى نصيبه من التعليم هم الذكور، وأما الإناث فهم ناقصات عقل ودين كما أشاعت ذلك عصور الانحطاط. لكن المفارقة الغريبة وخلاف هذه النظرة الدونية للمرأة هو امتلاك المرأة للإرادة القوية والعزيمة الصلدة للتعلم والتحصيل، بل ومنافسة الرجل والانتصار عليه، وهذا ما برهنت عليه شخصية نعيمة في تحصيلها الدراسي، حيث كان التفوق من نصيبها على أقرانها من الذكور رغم العراقيل التي كانت تفرضها الأسرة على التحاقها بالمدرسة واعتبار هذه الأخيرة مجرد مضيعة للوقت.
2- محاولة الروائية وهي الخبيرة بالشأن التربوي والتعليمي أن تعطينا جردا كرونولوجيا لتطور التعليم بالمغرب. فإذا كان الكُتاب هو الشكل المؤسس للتعليم والتدريس بمغرب ما قبل الاستقلال والمرتكز في مناهجه على التعليم الديني من فقه وأصول فإن هذا الشكل سيبدأ في التراجع والانحصار مع مغرب ما بعد الاستقلال ليحل محله التعليم العصري وأقصد بذلك المدرسة العمومية. لكن دون أن نغفل أن الانفصال بين الشكلين لم يحصل بسهولة وإنما عبر مراحل، حيث ظل الكُتاب إلى زمن قريب يلعب دورا بعضا من دوره وهذا ما نتذكره صغارا. وأيضا التحول الثاني عندما انتقلت المدرسة من مدرستين. مدرسة لتعليم الفتيات ومدرسة لتعليم الفتيان انعكاسا لنفسية المجتمع المحافظة والتقليدية التي كانت ترى في اختلاط الجنسين مسا خطيرا بالأخلاق والآداب على مدرسة مختلطة يدرس فيها كلا الجنسين والذي جاء انعكاسا لشيوع قيم المساواة والحرية بمعناها الكوني وحق الجميع في الوطن.
هذا دون أن ننسى إشارة الروائية إلى أعطاب و اختلالات حقل التعليم من خلال غياب النزاهة والشفافية( نموذج نعيمة بحصولها على بكالوريا مزورة )..
بقيت ملاحظة لابد من الإشارة إليها وهي استحضار الروائية للدور الكبير الذي لعبه رجال الدين في إشاعة روح الإصلاح، ونضالهم من أجل قيم الحرية والتقدم و الانعتاق من أسر التخلف والاستبداد وهنا اقصد شخصية الشيخ مروان عندما أعطى لنعيمة والمهدي مجموعة من الكتب ( قاسم أمين، الكواكبي، جبران خليل جبران..)
و أما في ما يخص الطابوهات التي تعرضت لها الروائية حليمة زين العابدين بالنقد والتشهير أستطيع القول أنها قد تمكنت بجرأة بل بشجاعة ناذرة أن تعري وتكشف عن اللامفكر فيه داخل المجتمع المغربي في موضوعات يحرم الخوض أو إبداء الرأي فيها بدعوى أنها محرمات وخطوط حمر، و أن الحديث فيها خروج عن جادة المعقول وثوابت الأخلاق. فقد عرت الروائية عن هاجس الجنس الذي يؤرق الانسان ويجعله أسير نزواته، وخلخلت ثوابت السياسة و مستغلقاتها وكأنها تقول أن السياسة ليست هي دائما السجن والمعتقل بل المشاركة في بناء الانسان والوطن، واستنكرت استغلال الدين لقضاء مآرب دنيوية دنيئة. ولا شك أن استثمار الروائية لزرادشت فريدريك نيتشه أكثر من معنى ودلالة، فهذا الفيلسوف الذي تمرد يوما ما على قيم الانحطاط والتخلف و دعى على تحرير الانسان من كل القيود والتقاليد التي رسختها منظومات القمع و الإكراه، وحاولت تأبيدها تحت تعزيمات وديماغوجيا أخلاقية زائفة، لقد اعتبر هذا الفيلسوف الأخلاق مسألة نسبية كونها ليست خارجة عن الزمن ، أي أنها محكومة بالأوضاع الاقتصادية والتغيرات التاريخية، وكذلك القيم ليست سوى وجهات نظر يمليها القوي على الضعيف ليستعبده ويسلبه إرادته، و دعى من خلال كتابه ” هكذا تكلم زرادشت” إلى النضال من أجل الحرية و الانعتاق من أسر القيم التقليدية والمحافظة، واقتحام الصعاب من أجل القوة والحيوية والسلطة. إذ دون هذه الارادة المتوثبة للارتقاء بالحياة وليس الحفاظ عليها يضيع الانسان، ويصبح أسير الآخر..الفقر..الاستعباد..الانتظارية القاتلة..

نور الدين بوصباع  / المغرب

 

محور جميع الروايات

 2. قلاع الصمت/ قراءات

مصطفى سلوي
هكذا تكلمت نعيمة
 
بلقاسم الجطاري
الكتابة وتكسير جدار الصمت
نور الدين بوصباع
الزمن والكتابة
أسماء بنعدادة
بلا نهاية

حميد ركاطة
الذات المغتصبة
 
الاتصال

 

Conception _ Création _ Desisgn: Halima Zine El Abidine